بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى الصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
ما أشبه أرباب العمل السياسي المسمى زوراً بالإسلامي الخائضين غمار العملية السياسية التي أنشأها ويرعاها الاحتلال في العراق، بالذين ذمهم الله تعالى في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} (النساء60)، قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية (تفسيره 8/507): (يعني بذلك جل ثناؤه: "ألم تر"، يا محمد، بقلبك، فتعلم "إلى الذين يزعمون أنهم" صدقوا "بما أنزل إليك" من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما "أنزل من قبلك" من الكتب، "يريدون أن يتحاكموا" في خصومتهم "إلى الطاغوت" يعني إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، "وقد أمروا أن يكفروا به"، يقول: وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوتُ الذي يتحاكمون إليه، فتركوا أمرَ الله واتبعوا أمر الشيطان، "ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا"، يعني: أن الشيطان يريد أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالاً بعيدًا، يعني: فيجور بهم عنها جورًا شديدًا).
وقال في موضع آخر (5/419): (والصواب من القول عندي في"الطاغوت"، أنه كل ذي طغيان على الله، فعُبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنساناً كان ذلك المعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً، أو كائناً ما كان من شيء). اهـ.
فكلا الفريقين يزعم اتباع منهج الرسل ومع ذلك يسعى للتحاكم إلى الطاغوت، متجاهلين أن من أولويات دعوة الرسل هو الكفر بالطاغوت، تاركين أمر الله عز وجل وراء ظهورهم بحجج واهية وأعذار فاسدة. أولئك أرادوا أن يتحاكموا إلى جاهل يقضي بينهم معرضين عن حكم الله، وهؤلاء يدعون للتحاكم إلى دستور الكفر الذي سنه المحتل وأذنابه وإلى الانتخابات وما ينتج عنها من مجالس التشريع من دون الله، ويتركون وراء ظهورهم ما أمر الله به من الجهاد في سبيله حتى يحكم شرعه وتكون كلمة الله هي العليا.
وما أظلمهم إذ جندوا أحزابهم وتكتلاتهم وما يستطيعون من إمكانات مادية من أجل أن يدفعوا بالناس في هاوية المشاركة والتصويت في هذه الانتخابات التي يراد من ورائها تثبيت دعائم حكومة لن تكون في جميع أحوالها إلا أسوأ من سابقاتها، وسيكون من إفرازاتها برلمان يسن الشرائع والقوانين- وفق دستور كفري- بما يلاءم هوى أهله وأحزابهم ومصالحهم، يبدل شريعة رب العالمين بقيح وصديد أفكار أرباب العمالة ودعاة الرذيلة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يعرج على إيمان بني إسرائيل بالطاغوت وعبادتهم له (مجموع الفتاوى 28/200-201): (وأما التحاكم إلى غير كتاب الله فقد قال: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به..."... والطغيان مجاوزة الحد وهو الظلم والبغي، فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارهاً لذلك طاغوتٌ، ولهذا سمى النبي الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح... والمطاع في معصية الله والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق سواء كان مقبولاً خبره المخالف لكتاب الله أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت، ولهذا سمى من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوتا، وسمى الله فرعون وعاداً طغاة). انتهى قول شيخ الإسلام.
فالله هو المشرع وحده، وهو الواحد الحكم، {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص70)، وتلقي الأوامر والتشريعات من غير الله عز وجل يتنافى مع توحيد الله سبحانه، قال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة31). قال عدي ابن حاتم حينما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: إنا لسنا نعبدهم. فقال صلى الله عليه وسلم: (أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه، فتلك عِبادتهم)، وكون الاحتكام لغير الله وأخذ التشريع من غير شريعته عبادة لغيره واضح من قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (يوسف40).
فاحذروا أيها المسلمون الوقوع في شرك أعداء الله، فإن أول ما تضيعونه إن واليتموهم أو صدقتموهم وأطعتموهم ووافقتموهم هو دينكم الحنيف، قال شيخ الإسلام (28/201): (فمن كان من الأمة موالياً للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة ونحوها مثل إتيانه أهل الباطل واتباعهم في شيء من مقالهم وفعالهم الباطل كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك، وذلك مثل متابعتهم في آرائهم وأعمالهم... ومن تولى أمواتهم أو أحياءهم بالمحبة والتعظيم والموافقة فهو منهم كالذين وافقوا أعداء إبراهيم الخليل من الكلدانيين وغيرهم).
إن التحاكم إلى صناديق الاقتراع والمشاركة في الانتخابات التي من خلالها يتم اختيار مشرعين من دون الله تعالى إيمان بالجبت وتحاكم إلى الطاغوت.
لذلك فإننا ندعو أهلنا المسلمين في العراق إلى التمسك بشرع الله والكفر بطاغوت الانتخابات والطواغيت الذين يدعون إليها بحجة تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإن الأمر قد بان لكم من الناحية الشرعية، وبان لكم من الناحية النظرية والعملية أنها مسرحية يتدافع للفوز بالأدوار الرئيسية فيها أذناب إيران وأذناب أمريكا، وكلاهما شر على الأمة ووبال على المسلمين، فلا مصالح ترتجى من تنحية شرع الله، ولا مفاسد تدفع بدساتير الكفر، والله عز وجل يقول: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (النحل36).
فاعتبروا بسنن الأمم التي كانت قبلكم، واعتبروا بالتجارب السابقة مع هؤلاء الكذبة التي لم تجنوا منها معهم إلا الخسران والفشل.
واحرصوا على أن تفوزوا بالبشرى التي وعد الله عباده الذين يجتنبون الطاغوت ويكفرون به، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} (الزمر17).
ولا يغرنكم من كان وليه الطاغوت، ولا يحزنكم من كانت سيده أمريكا، أو سنده إيران، فالله ولي من يكفر بهذه الطواغيت ويصبر على لؤاء الطريق، قال تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة257).
ويا إخواننا المجاهدين: أبشروا بالنصر بإذن الله تعالى، فإن كيدهم ضعيف، وحبلهم قصير، الله مولانا، وهم أولياء الشيطان، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} (النساء76).
ولقد سخر الله من زعمهم الهداية وادعائهم الفهم والسبيل المستقيم، ثم لعنهم، فلا يحزنكم لمزهم، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} (النساء51-52).
ونهيب بالمسلمين الابتعاد عن أماكن تواجد الأجهزة الأمنية والعسكرية المحتلة والعميلة لها ومراكز قياداتها ونقاط التفتيش والسيطرات والدوريات الراجلة والمحمولة، والتي ستتولى تأمين إجراء هذه الانتخابات، ونوجههم إلى أن يلزموا مساكنهم قدر المستطاع، حفاظاً على سلامتهم ومن أجل فسح المجال للمجاهدين الذين أخذوا على عاتقهم التصدي للمحتلين والمرتدين أيام الانتخابات كما في سواها من الأيام.
قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ } (البقرة193).
كتائب درع الإسلام
الهيئة الشرعية
14/ ربيع الأول/1431هـ